عبد الشافى محمد عبد اللطيف
174
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
المقتضيات وحدها . وسنبين مقتضيات الحرب في الإسلام في صفحات تالية في هذا البحث إن شاء اللّه . وآيات القرآن الكريم قاطعة الدلالة على أن الأصل في علاقات المسلمين بغيرهم من الأمم هو السلام ، وكذلك أقوال الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وأعماله وسيرته . فمن الآيات الكريمة الدالة على ذلك قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [ البقرة : 208 ] ، فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا [ النساء : 96 ] ، وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا [ النساء : 94 ] ، وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [ الأنفال : 61 ] ، لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [ الممتحنة : 8 ] . هذه الآيات تعود بالحرب إذا نشبت إلى الأصل الطبيعي في العلاقات وهو السلم ، ولو كان الأمر على العكس لما دعي المسلمون إلى التزام جانب السلام إن جنح إليه غيرهم ، وأظهروا حسن نواياهم ، ولو لم يكن منهم إيمان بالإسلام ، وحينئذ فعلى المسلمين قبول السلم بكل ضروبه وأشكاله . وعلى هذا النحو كانت أقوال النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأفعاله وسيرته في الحروب والمسالمات ، فظل الرسول صلّى اللّه عليه وسلم يدعو إلى دين اللّه في مكة ثلاث عشرة سنة حتى يتقرر الأصل في السلام ، واستأنف الدعوة السلمية في المدينة ، ولولا تجدد بعض المشاكل والمنازعات ، ولولا بغي المشركين لاستمرت السلم . وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم فيما روى البخاري ومسلم : « أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا اللّه العافية . . . » « 1 » فالرسول ينهى عن الرغبة في الحرب وتمنيها حتى مع العدو ، ويسأل اللّه أن يديم نعمة السلم « 2 » . وهكذا يتضح لنا - بما لا يدع مجالا للشك - أن القاعدة في العلاقات الدولية في دولة الإسلام هي السلم ، وأن الحرب هي الاستثناء ، وسنقدم - بإذن اللّه - في ثنايا هذا البحث الأدلة العملية على هذا الموقف الأصيل للإسلام في ميدان علاقاته الدولية .
--> ( 1 ) د . وهبه الزحيلي - آثار الحرب في الفقه الإسلامي ( ص 134 ) - نقلا عن منتخب كنز العمال من مسند أحمد ( 2 / 323 ) . ( 2 ) د . وهبه الزحيلي - المرجع السابق ( ص 134 ) .